الشيخ محمد رشيد رضا

314

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يقال « فإذا كشفنا عنه ضره » إذ هو المناسب للشرط في أول الآية وهو في جنس الانسان ومقتضى طبعه لا في فرد من أفراده ، ونكتة هذا التعبير أن يتصور القارئ والسامع للآية كشف الضر بعد الدعاء واقعا مشاهدا من شخص معين ويرى ما يفعل بعده لأنه أبلغ في العبرة . أي فلما كشفنا عنه ضره الذي دعانا له في حال شعوره بعجزه عن كشفه بنفسه وبغيره من الأسباب ، مرّ ومضى في شؤونه على ما كان من طريقته في الغفلة عن ربه والكفر به ، كأن الحال لم تتغير عليه ، فلم يدعنا إلى ضر مسه ، ولم نكشف عنه ضره كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي كهذا النحو من معرفة اللّه والاخلاص في دعائه وحده في الشدة ونسيانه والكفر به بعد كشفها زين للمسرفين من طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشرك ، حتى بلغ من عنادهم للرسول واستهزائهم بما أنذرهم من عذاب أن استعجلوه بالعذاب ، والاسراف رديف الطغيان وأخوه ، وسيأتي مثل هذه الآية بعد عشر آيات ببيان أبلغ . وقد أسند التزيين هنا إلى المفعول لأنه المقصود بالعبرة دون فاعله . وسبق مثله في آل عمران ( 3 : 14 ) والانعام ( 6 : 22 ) والتوبة ( 9 : 38 ) وقد أسند إلى الشيطان في سورة الأنعام والأنفال ، وأسند إلى اللّه تعالى في الانعام أيضا بقوله ( 108 زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) وبينا في تفسير هذه نكتة اختلاف الاسناد في كل موضع ( راجع ص 668 ج 8 تفسير الطبعة الثانية ) * * * ( 13 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ، كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 14 ) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * * * بين اللّه تعالى في الآيتين السابقتين شأنه في الناس وشأنهم معه بمقتضى الطبع البشري وطغيان الشرك والكفر ليعتبر به مشركو مكة وغيرهم ممن يعقله إذ هو من العلم الصحيح المستمد من طبع الانسان وسيرته ، وقفى عليه في هاتين